ردّد وهو يهذي: "أعيدوا إليّ جحافلي"!
نصب تحالف من القبائل الجرمانية، بقيادة أرمينيوس، كمينا لثلاثة فيالق رومانية بقيادة بوبليوس كوينكتيليوس فاروس، وألحق بها هزيمة ساحقة أوقفت توسع الإمبراطورية الرومانية في المنطقة.
تعرضت قوات الإمبراطورية الرومانية في معركة غابة تويتوبورغ إلى هزيمة هي الأشد فتكًا في تاريخها، وأصبحت بمثابة النهاية لعصرها الذهبي من التوسع.
تُعد معركة غابة تويتوبورغ التي جرت من 8 إلى 11 سبتمبر عام 9 ميلادي، واحدة من أكثر الهزائم ساحقة للإمبراطورية الرومانية، وقد غيرت مجرى التاريخ بشكل جذري. أدت هذه المعركة إلى تحرير ألمانيا من حكم روما، والتخلي عن خطط الإمبراطورية لغزوها، والحفاظ على استقلال الأراضي الألمانية. أصبح نهر الراين حدودا للمناطق الشمالية الشرقية للإمبراطورية الرومانية.
وضع قائد القوات الجرمانية أرمينيوس خطة لاستدراج العدو في العمق، واستغل ثقة القائد الروماني فاروس، فأوهمه بوجود تمرد قبلي جرماني في المنطقة، مُغريا إياه بقيادة جيش كبير لقمع التمرد. كان فاروس يقود الجيش الروماني الذي كان يتكون من ثلاثة فيالق هي السابع عشر، والثامن عشر، والتاسع عشر، إضافة إلى ستة أفواج مساعدة وثلاث وحدات من سلاح الفرسان. علاوة على ذلك، كانت ترافقه قافلة ضخمة تضم النساء والأطفال وممتلكات الفيلق، ما أبطأ حركة الجحافل الرومانية. أما القبائل الجرمانية فكان يقود قوات تحالفها أرمينيوس، وهو زعيم قبيلة تشيروسي، ومواطن روماني سابق خدم في جيش الإمبراطورية الرومانية ويعرف تكتيكاته وأساليبه القتالية جيدا.
في ذلك الوقت كان كوينتيليوس فاروس، حاكم ما يعرف اليوم بألمانيا، قد نشر قواته في جميع أنحاء البلاد لمحاربة قطاع الطرق، ما أضعف السيطرة على الوضع. حاك أرمينيوس خيوط مؤامرة محكمة، وتمكن من إقناع القادة الآخرين بمعارضة الرومان، واستخدم الوضع لتهيئة الظروف للهجوم. من بين المفارقات، أن نبيلا من الشيروسيين، ويدعى سيجيستس، حذّر القائد الروماني فاروس من الخطر، إلا أنه لم يصدقه ولم يتخذ أي إجراء. قام أرمينيوس، بحجة محاربة انتفاضة قبائل بعيدة، بجمع جيش، ورافق الجيش الروماني، لكنه تخلف بعد ذلك في انتظار وصول قوات جديدة.
اختارت قوات الجرمان اللحظة المناسبة للهجوم حين لم يتوقع الرومان ذلك. زادت الأمطار الغزيرة من الارتباك في صفوف طوابير المقاتلين، وجعل الطين من الصعب على القافلة والجنود ذوي الدروع الثقيلة التقدم، بينما تحرك الجرمان بأسلحة خفيفة وبسرعة.
استخدم أرمينيوس معرفته بالتضاريس، وخاصةً أن غابة تويتوبورغ وتضاريس المستنقعات والتلال جعلت من المستحيل على الجيوش الرومانية الحفاظ على تشكيل قتالي متقارب كما اعتادت. بدأ الجرمان بإطلاق السهام النارية من الغابة، ثم انتقلوا إلى الهجمات القريبة.
استمرت المعركة ثلاثة أيام. كانت الخسائر فادحة في اليوم الأول، لكن فاروس وجنرالاته تمكنوا من استعادة النظام والتمركز وصد الهجمات. في اليوم الثاني، تحركت أرتال الفيالق الرومانية بشكل أكثر تنظيما، لكن الجرمان لم يوقفوا هجماتهم، على الرغم من أن التضاريس المفتوحة جعلت من الصعب نصب الكمائن. في اليوم الثالث، وجدت الأرتال الرومانية نفسها في الغابة حيث كان من المستحيل الحفاظ على تشكيل المعركة التقليدي. فقدت دروع وأقواس الرومان المبتلة فعاليتها القتالية. حاول الرومان بناء متراس دفاعي وخندق، لكن عدد المهاجمين زاد بانضمام محاربين جدد إلى القوات الجرمانية.
خسرت الفيالق الرومانية حوالي 27 ألف مقاتل، وتم القضاء على ثلاثة جحافل بالكامل، وسقطت النسور الذهبية، رموز الوحدات الرومانية، في أيدي الجرمان. لم يجد قائد الجيوش الرومانية كوينتيليوس فاروس من مخرج لتجنب الأسر إلا الانتحار بطعن نفسه.
استسلم بعض القادة الآخرين، وهرب البعض الآخر، وجرى قتل المئات من الأسرى وتقديمهم قرابين لآلهة الجرمان. يقال إن الجرمان تعاملوا مع القضاة الرومان بقسوة خاصة، وقاموا باقتلاع أعينهم وتقطيع أيديهم وخياطة أفواههم بعد قطع ألسنتهم.
كانت خسارة نسور الفيلق الذهبية بمثابة عار رهيب على الجيش الروماني. صُدم الإمبراطور أوغسطس بالهزيمة. يذكر كاتب سيرته الذاتية غايوس سويتونيوس ترانكويليوس، وهو مؤرخ روماني جزائري المولد، أن الإمبراطور لم يستطع استعادة رشده لعدة أشهر، ودخل في حالة حداد طويلة، وكان يردد مخاطبا قائد قواته المهزوم: "يا كوينتيليوس فاروس، أَعِدْ الجحافل!".
بعد هذه الهزيمة الساحقة أصبح نهر الراين حدا فاصلا بين الإمبراطورية الرومانية وما تصفه بـ"العالم البربري"، وهذا الوضع استمر لما يقرب من 400 عام. هكذا تمكّن الجرمان من الحفاظ على استقلالهم، ما أثّر بشكل كبير على تاريخ أوروبا وخريطتها فيما بعد.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
من وعد بلفور إلى وعيد بن غفير!
فعلت بريطانيا الكثير من أجل ظهور إسرائيل، وكانت إحدى الركائز وعد بلفور الذي أعرب من خلاله وزير خارجيتها في عام 1917 عن دعم حكومته "لإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين".
شهادة من "حبل المشنقة": "أيها الناس كونوا يقظين"!
في 8 سبتمبر 1943، قُتل يوليوس فوتشيك، وهو بطل قومي وصحفي تشيكوسلوفاكي، على يد النازيين. هذا الصحفي صاحب كتاب شهير بعنوان "تحت أعواد المشنقة"، والذي تُرجم إلى ما يقارب 90 لغة.
أول معركة روسية حاسمة ضد المغول!
خاض الروس مواجهة حاسمة في العصور الوسطى مع قوات قبيلة المغول الذهبية، وعلى الرغم من أنها لم تنه الحكم المغولي فوريا، إلا أنها تعتبر أول انتصار روسي كبير.
وسط رجال العصابات.. جريمة على وقع "الراب"!
يتأخر فك خيوط جرائم، وخاصة تلك التي تجري في الخفاء وتغيب أي أدلة تؤدي إلى مرتكبيها، إلا أن مقتل مغني الراب توباك شاكور جرى تحت الأضواء وأمام الملأ، ومع ذلك تأخرت العدالة 30 عاما.
عرض عسكري "منسي" وأمور أمريكية "طارئة"!
أُقيم في 7 سبتمبر 1945 عرض لقوات دول التحالف المناهض لهتلر في برلين، وشمل القوات السوفيتية التي اقتحمت برلين، بالإضافة إلى الأمريكية والبريطانية والفرنسية المتمركزة في غرب برلين.
التعليقات